الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد عبر عنه في هاتين الآيتين وفي آية التكوير بالصاحب لهم لتذكيرهم بأنه يعرفونه من أول نشأته إلى أن تجاوز الأربعين من عمره ، فما عليهم إلا أن يتفكروا حق التفكر في سيرته الشريفة المعقولة ليعلموا أن الشذوذ ومجافاة المعقول ليس من دأبه ولا مما عهد عنه ، وكذلك الكذب كما قال بعض زعمائهم من أهل مكة : إن محمدا لم يكذب قط على أحد من الناس أفيكذب على اللّه ؟ وقد قال تعالى في أولئك الزعماء ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وقد بينا في تفسيرنا هذا شبهة المشركين على الرسل بكونهم بشرا مع الرد عليها « 1 » كذلك شبهاتهم على البعث مع الرد عليها « 2 » ولو تفكر مشركوا مكة في نشأة النبي « ص » وأخلاقه وآدابه وما جربوا من أمانته وصدقه من صبوته إلى أن اكتهل ، ثم تفكروا فيما قام يدعوهم اليه من توحيد اللّه بعبادته وحده ومن كون حكمته في خلقه السماوات والأرض بالحق تقتضي تنزهه عن العبث ( ومنه ) أن يكون هذا الانسان السميع البصير العاقل البحاث عن حقائق الأشياء من ماض وحاضر وآت ، ينتهي وجوده بالعدم المحض الذي هو في نفسه محال ، ثم لو تفكروا في سوء حالهم الدينية ( كعبادة الأصنام ) والأدبية والمدنية والاجتماعية وما دعاهم اليه من اصلاحها كلها - لعلموا ان هذا الاصلاح الديني والأدبي والاجتماعي والسياسي لا يثمر إلا السيادة والسعادة ، وانه لا يمكن أن يكون مصدره جنون من دعا اليه ، بل إذا كان فيه شيء غير معقول فهو انه لا يمكن أن يكون هذا العلم العالي والاصلاح الكامل من رأي محمد بن عبد اللّه الأمي الناشئ بين الأميين - ولا أن تكون هذه البلاغة المعجزة للبشر في أسلوب القرآن ونظمه من كسب محمد الذي بلغ الأربعين ولم ينظم قصيدة ولا ارتجل خطبة - وأن هذه الحجج البالغة على كل ما يدعو اليه القرآن ، والبراهين العقلية والعلمية الكونية لا يتأتى أن تأتي فجأة من ذي عزلة لم يناظر ولم يفاخر ولم يجادل أحدا فيما مضى من عمره كمحمد بن عبد اللّه - فإذا تفكروا في هذا كله جزموا بأن هذا كله وحي من اللّه تعالى

--> ( 1 ) راجع ص 309 و 315 من ج 7 تفسير وص 278 و 495 ج 8 منه ( 2 ) راجع ص 357 ج 7 تفسير وص 283 و 470 - 481 ج 8 منه